إن العمل على توضيح نقطتين في هذا السياق تظهر عظمة مقولة الإمام سيد الشهداء علیه السلام هذه وتوصيته الى شيعته وهما:
1- الإلتفات إلى الظروف والمعطيات التي عبّر فيها الإمام الحسين علیه السلام وفهمها بالشكل المطلوب.
وإذا دققنا النظر في الظروف والوقت الذي قال فيه الإمام الحسين علیه السلام هذه الكلمات، فسوف نفهم إلى حد ما نوع الحالة التي كان عليها عندما نقل هذه التحية وهذه الرسالة إلى شيعته ومحبيه.
ولأجل إيستعاب الظروف والوقت العصيب الذي مرّ به الإمام الحسين علیه السلام لابد لنا من الإطلاع على نقطة وهي: إن محبة وتعلق الإمام الحسين علیه السلام بشيعته كبيرة وشديدة، لدرجة إنه حين وصل إليه خبر إستشهاد قيس بن مسهر الصيداوي فقد دعا الى أهل البيت علیهم السلام وللشيعة وهو في حالة بكاء:
"اللهمَّ اجْعَلْ لَنا و لِشيعَتِنا عِنْدَکَ مَنْزِلا کَريماً، وَ اجْمَعْ بَيْنَنا وَ بَيْنَهُمْ في مُسْتَقَرّ مِنْ رَحْمَتِکَ إِنَّکَ عَلى کُلِّ شَيْء قَدير"[1].
وقد برزت علاقة ورحمة وعطف مولانا الإمام الحسين علیه السلام الى شيعته في يوم عاشوراء وذلك بعد وداعه أهل بيته أكثر، وتجلت وبلغت الى درجة من الإشعاع والتجسيد لانكاد نتصورها ونصل الى كنهها.
لقد كان سلامه ورسالته علیه السلام الى الشيعة بعد وداعه مع الإمام السجاد علیه السلام واهل بيته الطيبين الطاهرين، وحدث وداع الإمام بعد إستشهاد مولانا أباالفضل العباس علیه السلام ومولانا علي الأكبر علیه السلام وجميع بني هاشم وأصحابه وأعوانه، يعني إنه شاهد مصارعهم وراى أجسادهم المقطعة أرباً أربا، وبعد أن رأى جميع تلك المصائب ولما يبقى له ناصر ولا معين، وظهر محني وعين مغرورقة من شدة العطش والذهاب الى الخيام لوداع أهله وعياله ووداع إبنه السجاد علیه السلام، يعني في أحلك الظروف وأصعب الحالات قد أوصى بإيصال سلامه الى شيعته، وقال للإمام السجاد علیه السلام: بلغ شيعتي عني السلام، فقل لهم: إن أبي مات غريباً فاندبوه، ومضى شهيداً فابكوه"
وقد قال الإمام الحسين علیه السلام هذا الأمر في ظروف قاهرة ومحن تتفطر منها الجبال وتتشقق، ولانبالي إذا قلنا إن تلك المصائب والرزيا لم تجرِ على أحد من العالمين، وتقع في عالم الوجود لغيره.
2- بعد الدقة لما قلناه لابد من الإمعان، الى إن الشخص في اللحظات والساعات الأخيرة من حياته، يروي لمن حوله أهم ما يدور في خلده، وقد بعث الإمام الحسين علیه السلام في تلك اللحظات الحرجة سلامه ورسالته إلى الشيعة.
والآن لماذا أراد الإمام إبلاغ سلامه ورسالته تلك الى الشيعة وما هو المضمون من ذلك؟! ولماذا امرهم بالبكاء وإقامة العزاء عليه؟! وهو في تلك الظروف الصعبة في عالم الوجود.
فماذا فعلنا إتجاه تلك التوصيات وماهي ردت أفعالنا أمامها؟، وما مدى الأهمية التي أعطيناها لها؟
ولماذا يبغي الأعداء والمغرضين سلب العزاء وإقامة المأتم من الشيعة والتي تقام في مختلف أصقاع العالم؟. سوف نتطرق الى هذا الموضوع في الفصل الأخير من هذا الكتاب.








