لمحت في احدي النواحي رجلاً بتر ساقاه من الفخذين و يداه من المرفقين، و هو يستعطي و مع ذلك كان سمينا و بدأ كالكرة تتدحرج على الأرض، و كانت الناس ترق لحاله و ترمي إليه بدراهم كثيرة على منديل كان قد بسطه أمامه، وقفت جنبا منتظراً أن ينفض الناس من حوله كي أخلو به بضع دقائق فأستفسر عن حاله، تنبه لوجودي فناداني بالعربية قائلا: أعلم ما يدور في خلدك، أنت تتوق لمعرفة حالي و أن لا أخبر أحدا بذلك أيا يكن لو أصر لا أستثني أحدا، لكني لا أعلم لم انتابتني رغبة لأخبرك بقصتي.
في هذه الأثناء تنبه أحدهم لحديثنا و علم بالطبع أننا نتحدث عن علة بتر يدي ذلك المستعطي و رجليه، فاقترب مصغيا.. فقال: لي ذلك المستعطي ليس بمقدورنا أن نتحدث ههنا لأن الناس ستتجمع من حولنا. تعال نذهب الى منزلي كي أخبرك بأمري، فقبلت اقتراحه لسببين:
1- لأنه كان محقاً حيث يتعذر علينا أن نتحدث في ممر للعموم؛ لأن الناس كانت لتجتمع. 2- لارى كيف يذهب الى بيته و هو بلا يدين و رجلين، لذا وافقت ولكني قلت له: الزوار الآن كثر و اذا غادرت تكون قد أضررت بمصالحك. فقال: لا، أنا آخذ من الناس ما يكفي لأتدبر أمري و أمر زوجتي وأولادي وخدامي كل يوم بيومه، و حين يتأمن ذلك المقدار أعود الي البيت و أستريح.
فقلت: هل جمعت اليوم من المال ما يكفي.
قال: نعم.
قلت: لكننا لم نزل في أول النهار.
قال: كل يوم يتأمن المبلغ المطلوب في غضون ساعتين.
قلت: هل لك أن تخبرني كم هي حاجتك كل يوم، و كم من المال ينبغي أن يجتمع عندك؟
فتبسم و قال: أتمنى عليك ألا تسألني عن الأسرار التي لا يباح بها، و مع ذلك قد أضطر في سياق سردي لقصتي أن اخبرك بذلك أيضا.
قلت: اذا أردت أن نذهب فسآتي معك.
فرمي بنفسه على منديل المال بحركة خفيفة و خاصة، و طواه بمهارة حل معها، بالنسبة لي، معضلة ذهابه للبيت، ثم وضعه في جيب كان قد خاطه على قميصه، و بحق كانت حركاته مدعاة للفرجة... ثم انطلق بكرسيه المتحرك فتبعته، وكنت أتأخر عنه أحيانا لسرعته.
هذا وكان يراقبه شاب قوي البنية اتضح لاحقا أنه غلامه، و كان الشاب مستعداً أن يحمله على ظهره اذا تعب.
طبعا لم يكن لذلك من داع لأن سيارة كبيرة من طراز «شيفروليه» كانت جاهزة، فحمله الغلام وأجلسه في الجانب الأيمن من المقعد الخلفي، وطلب مني الصعود الى السيارة من جانبها الأيسر.
فقلت لمن معي: أنتم عودوا الى المدينة المنورة، و سألحق بكم بعد ساعة أو اثنين، ثم ركبت السيارة و ذهبت مع المستعطي و غلامه.
كان بيت الرجل فخماً، و حياته مرفهة، وكان أولاده وزوجته على شيء من الأدب و التهذيب، وكان الجميع يحسب له حسابا، ويبالغ في احترامه.
أول ما فعلوا بد دخوله المنزل كان أن نزعت زوجته ثوبه وألبسته آخر نظيفاً، ثم حملوه الى غرفة الأستقبال ودعوني اليها، كانت هذه الغرفة مفروشة بالسجاد الايراني، و مزدانة بالثريات، وحينما جلست بدأ بقصته هكذا:








