إذا كنا نعيش في بلدان ومدن لايمكننا فيها زيارة أضرحة الأئمة الأطهار صلوات الله علیهم، فيمكننا تعويض هذا النقص الحاصل بقراءة الزيارات التي يتم قراءتها عن بعد. أو إقامة مراسم العزاء لملئ الفراغ الموجود في عدم الإمكانية المتاحة للتشرف في زيارتهم؛ لانه على فرض ان الاعداء قد استولوا على بعض الأماكن المقدسة كما هو الحال في إختيارهم أماكن مثل بيت الله الحرام والمسجد النبوي الشريف والبقيع، وبالتالي قد حرمنا من زيارتهم الا إن قلوب محبي وأتباع أهل البيت علیهم السلام هي خارجة عن سيطرتهم وإختيارهم، ولهذا يمكن لهم وفي حالة عدم وجود الفرصة المتاحة للقيام بزيارة تلك الأماكن المقدسة الشريفة إقامة مجالس العزاء والمشاركة فيها لتعويض نقصهم المعنوي الى حدّ ما.
وإذا كان هناك أشخاص في بعض الدول والبلدان مثل السعودية يعملون وبالإضافة الى إيجاد المعوقات في زيارة العتبات المقدسة، على طمس وإخماد جذوة مراسم العزاء كذلك ومع وجود هكذا ظروف ومناخات ـ في حالة عدم إمكانية العزاء على النحو المعمول والمرسوم به ـ يمكن لأتباع أهل البيت علیهم السلام ومحبيهم إقامة مجلس العزاء حتى بوجود حشود صغيرة وبالنتيجة عدم فقدان نعمة إقامتها والحضور فيها.
وإذا كان هناك فئة تمانع من إقامة مجالس العزاء العامة وتعمل على محاربتها بكل الأشكال والأساليب فبإمكان شيعة أهل البيت علیهم السلام ومن يواليهم، ومن خلال المجالس الحماسية الخاصة ملأ قلوبهم بحب من طهرهم الله تعالى تطهيرا، وجعلها مدركة لعظمتهم ولأتفتا عن الولاء لهم والتبرئ من أعدائهم.
ومن هذا المنطلق فإن مجالس العزاء بإمكانها أن تكون محلاً للأستقطاب وملمح أساسي فعال مثل الزيارات، وتوصلنا الى القرب الإلهي وأهل بيت الوحي والرسالة علیهم السلام وزرع جذور المؤدة والمحبة في قلوبنا وذلك عبّر إيجاد الحياة القلبية.
لذلك، فانه في بعض الأحيان لا يتم توفير شروط الزيارة للإنسان ولا يمكنه بحال من الأحوال الذهاب إلى مراقد أهل البيت الشريفة، ويملأ روحه بالشوق والمحبة، ففي هذه الحالة يمكن أن يحل مجلس العزاء محل الزيارة، وبالتالي يوجد الآثار والرصيد القيمي الذي لايقدر بثمن في قلبه والذي يترتب على القيام بالزيارة. أي يتم إستبدال الزيارة بإقامة مجلس العزاء وذلك لعدم وجود الأرضية المناسبة والصعوبات الجمة التي تواجه الفرد في القيام بها. والعمل ومن خلال ذرف الدمعة الى زيادة محبة أهل البيت علیهم السلام في القلب وجعلها تزداد صلابة وقوة.
وفي هذا السياق هناك أدلة تؤكد على إستبدال إقامة مجلس العزاء مكان الزيارة في حال عدم الإستطاعة والقدرة على الذهاب لها، وتوجد رواية بين تلك الأدلة العديدة تحظى باهمية أكثر لدينا، وهي واردة حول زيارة الإمام الحسين علیه السلام في يوم عاشوراء يقول فيها الإمام الباقر علیه السلام الى أحد أصحابه الذي لم يتمكن من الزيارة في ذلك اليوم وإليكم الرواية:
عَنْ صَالِحِ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ مَالِكٍ اَلْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ اَلْبَاقِرِ علیه السلام قَالَ: مَنْ زَارَ اَلْحُسَيْنَ علیه السلام يَوْمَ عَاشُورَاءَ مِنَ اَلْمُحَرَّمِ - حَتَّى يَظَلَّ عِنْدَهُ بَاكِياً لَقِيَ الله تَعَالَى يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ بِثَوَابِ أَلْفَيْ [أَلْفِ] أَلْفِ حِجَّةٍ وَ أَلْفَيْ [أَلْفِ] أَلْفِ عُمْرَةٍ- وَ أَلْفَيْ أَلْفِ غَزْوَةٍ وَ ثَوَابُ كُلِّ حِجَّةٍ وَ عُمْرَةٍ وَ غَزْوَةٍ كَثَوَابِ مَنْ حَجَّ وَ اِعْتَمَرَ وَ غَزَا مَعَ رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ مَعَ اَلْأَئِمَّةِ اَلرَّاشِدِينَ صَلَوَاتُ الله عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ قَالَ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ- فَمَا لِمَنْ كَانَ فِي بُعْدِ اَلْبِلاَدِ وَ أَقَاصِيهَا وَ لَمْ يُمْكِنْهُ اَلْمَصِيرُ [اَلْمَسِيرُ] إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ اَلْيَوْمِ قَالَ إِذَا كَانَ ذَلِكَ اَلْيَوْمُ بَرَزَ إِلَى اَلصَّحْرَاءِ أَوْ صَعِدَ سَطْحاً مُرْتَفِعاً فِي دَارِهِ وَ أَوْمَأَ إِلَيْهِ بِالسَّلاَمِ وَ اِجْتَهَدَ عَلَى قَاتِلِهِ بِالدُّعَاءِ وَ صَلَّى بَعْدَهُ رَكْعَتَيْنِ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي صَدْرِ اَلنَّهَارِ قَبْلَ اَلزَّوَالِ ثُمَّ لْيَنْدُبِ اَلْحُسَيْنَ علیه السلام وَ يَبْكِيهِ وَ يَأْمُرُ مَنْ فِي دَارِهِ بِالْبُكَاءِ عَلَيْهِ وَ يُقِيمُ فِي دَارِهِ مُصِيبَتَهُ بِإِظْهَارِ اَلْجَزَعِ عَلَيْهِ وَ يَتَلاَقَوْنَ بِالْبُكَاءِ بَعْضُهُمْ بَعْضاً فِي اَلْبُيُوتِ وَ لْيُعَزِّ بَعْضُهُمْ بَعْضاً بِمُصَابِ اَلْحُسَيْنِ علیه السلام فَأَنَا ضَامِنٌ لَهُمْ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَلَى الله عَزَّ وَ جَلَّ جَمِيعَ هَذَا اَلثَّوَابِ فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ وَ أَنْتَ اَلضَّامِنُ لَهُمْ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ وَ اَلزَّعِيمُ بِهِ قَالَ أَنَا اَلضَّامِنُ لَهُمْ ذَلِكَ وَ اَلزَّعِيمُ لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ قَالَ قُلْتُ فَكَيْفَ يُعَزِّي بَعْضُهُمْ بَعْضاً قَالَ يَقُولُونَ عَظَّمَ الله أُجُورَنَا بِمُصَابِنَا بِالْحُسَيْنِ علیه السلام وَ جَعَلَنَا وَ إِيَّاكُمْ مِنَ اَلطَّالِبِينَ بِثَأْرِهِ مَعَ وَلِيِّهِ اَلْإِمَامِ اَلْمَهْدِيِّ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَ آلِهِ"[1].
ويمكن وكما أعلنت هذه الرواية الشريفة بصراحة إستبدال العزاء الحسيني في يوم عاشوراء والذي يعتبر أهم يوم في زيارة مولانا الإمام الحسين علیه السلام بالزيارة.
وهناك روايات عديدة كلها تدور حول الآثار العجيبة التي تتركها زيارة أهل البيت علیهم السلام لاسيما زيارة قبر سيدالشهداء علیه السلام والحال كذلك في وجود الروايات الشريفة حول الآثار والتبعات من وراء إقامة مراسم العزاء، وفي هذا الباب هناك رواية ـ مثل الرواية التي نقلنها آنفاً ـ تدل على إن زيارة الإمام أبا عبد الله الحسين علیه السلام في يوم عاشوراء أفضل من العزاء، بحيث تستبدل مراسم العزاء محل الزيارة إذا تعذر القيام بها يعني إذا كان هناك إمكانية للزيارة في يوم عاشوراء فلها أفضلية مطلقة.








